يربط ‘أرتور دانتو’ استقرار عادة مباشرة الفن بوصفه تعبيرة ثقافية (وليس اختصاصا فنيا قائم الذات) بتباين الحداثوية Le modernisme من « التقليد التصويري الذي تمتد جذروه إلى عصر النهضة الأوروبية، »؛ كما يربطه بتشكل -منذ القرن 19- الوعي لدى الغرب بوجود أنساق تصورية يرتبط تنوعها بتنوع مهدها الثقافي.

من هذا المنطلق، فإننا نجد أنفسنا مدفوعين للتساؤل عن علة تحول الممارسات الفنية المعاصرة نحو الالتزام بقضايا المجتمعات المحلية بعد أن واظبت -على مدى خمس وعشرون قرنا- على الاهتمام بتطور علوم البصريات وذلك من أجل تقوية حضور الدولة ضمن مجال اليومي.

وفعلا، فيالوقت الذي تميزت فيه تاريخيا المقاربة الحداثية بالثقة المطلقة في صلاحية المعايير القانونية-الصورية وفي قدرتها على تشكيل معطيات الواقع الإنساني، تميزت المقاربات الفنية المعاصرة بالاشتباه في صلاحيات الفاعلية الرمزية وانتصرت للفردية المتحررة من قيود المعنى ومن سلطة المواضعات الاجتماعية. ومعلوم، أن الفكر الحداثي انبنى تاريخيا على تصدير الاعتبارات الذهنية على الاعتبارات ذات الصلة بحقائق الطبيعة والحياة أو بالمسائل ذات الصلة بالمحددات الأنثروبولوجية للإنسان.

فقد تميزت مقولة ‘الشرط الإنساني’ بانفصالها عن سياق الطبيعة وبالمصادرة على تعارض الطبيعة والمجتمع. ولعل من أهم محاور تقاطع الإبداعية المتباينة من الحداثة والمنخرطة في التوجه الشعبي أو ‘البوب’ يمكن أن نذكر المحور المرتبط برفض كل أشكال الانفصالية ورد الاعتبار للكوسمي وللأنثروبولوجي وللحقائق الأساسية بالقياس للحقائق التاريخية والتي أعلى الفكر الحداثي من شأنها. ألم يجزم ‘دوبوفي’ Dubuffet أنه على النقيض مما تصادر عليه الكلاسيكية، فإنه « لا يقتصر حضور الميل الفني على نخبة ذات كفاءات استثنائية وإنما يتعلق الأمر بكفاءات دارجة تماما لدى عامة الناس. »

وإذا كان من الصحيح القول بأن تعاليم الحداثة تستند للمنع الأفلاطوني الذي يحرّم على من لم يكن هندسيا أن يرتاد أكاديميته فإن من الصحيح القول كذلك بأن تعليمها ضمن سياق تتعهد المعاصرة بتشكيل معالمه لا يمكن إلا أن ينخرط ضمن علاقة نشاز داخلي تجعله متباينا من ذاته نفسها. ومثل هذا الوضع المربك هو الذي يحفز على القول بأن قوام المرور من الحداثة للمعاصرة تذويب الفاعلية الفنية ومؤسساتها ضمن مجال الثقافي وضمن نطاقاته المحلية والإقليمية.

ومثل هذا التذويب هو الذي حدا بـ’هارولد ‘روزنبرغ’ إلى أن يربط الفاعلية الفنية المعاصرة بعملية تفكك مقومات تعريف الفن وتلاشي مقومات هويته المخصوصة.

وفعلا، لاشيء اليوم يمكن أن يتم تصنيفه بداهة ضمن دائرة الوقائع المنتمية للمجال الفني، ومع ذلك فقد غدا مقبولا أنّ كل ظاهرة وأنّ كل مسألة وأنّ كل معطى يقبل التوظيف الفني والإبداعي.بموزاة ذلك، ساهم تضافر التقنيات المعلوماتية والتحويرات التي طرأت على عالم التداول الشبكي في استهلال مسار يربط عملية استكمال الإنسان لإنسانيته من خلال التخارج ومن خلال تصدير الاستجابات الخارجية على النوازع الباطنية بمسارات معاكسة؛

بما أنها تقتضي تحويل التخارج extériorisation إلى استبطان intériorisation؛ وهو الأمر الذي ساهم في ربط المرور من الحداثة إلى المعاصرة بموقف يرد الاعتبار للعامل الأنثروبولوجي. إذ يجرى الأمر وكأن الايكونوكلازم أصبح يتطابق مع موقف مثبت وليس نافيا. وهو الأمر الذي يمكن أن يسهم في سبر التوجه العام لمعاصرة الذي يفك الارتباط مع التخصص ومع المقاربة من خلال الأجناس. وهو أمر نلمسه كأوضح ما يكون ضمن مجال السينما خصوصا، وضمن مجال السمعي البصري عموما.

وبناء على هذه المقدمات نأمل أن تسهم مداخلتكم في سبر ملابسات تفاعل الحداثة مع واقعة انخراط العصر في قيم الجمهرة وذلك خلال ندوتنا التي ستنعقد أيام 27-28-29 سبتمبر 2016 بصفاقس.

المحاور:

الرهانات الاجتماعية الحافة بالممارسات الفنية المعاصرة

البعد الهدام الملازم للجمهرة

الإبداعية المعاصرة وتجدد صيغ الايكونوكلازم

الفن المعاصر في مواجهة الثقل التاريخي للكلاسيكية

Article similaire