مهرجان ينابيع الإبداع

الورقة العلميّة
الجبل في الإبداع الأدبي: صوره ودلالاته
ارتبطت حياة الإنسان منذ وجوده على وجه الأرض بمختلف التضاريس الطبيعية فتأثرت بها حياته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وتكونت في إطارها وبالتفاعل معها معتقداته وأساطيره وعاداته وتشكلت انطلاقا منها إنتاجاته الثقافية وإبداعاته الفنية وتعبيراته الجمالية والرمزية. ويمثل الجبل أحد أبرز العناصر الطبيعية التي ظلت حاضرة وفاعلة في الإبداع الإنساني بمختلف أشكاله وأنواعه. ويكفي أن نذكر جبال الألب والبيريني والأطلس والخمير لندرك مقدار ما تثيره هذه العوالم الجبلية في مخيالنا الفردي والجمعي من تصورات يتداخل فيها الجغرافي والتاريخي والأسطوري والديني والفولكوري. وهو ما يجعل الجبل يتجاوز المعطى الطبيعي الجغرافي (المكان المرتفع) إلى الحضور الأسطوري والتمثل الديني والثقافي والإبداع الفني بما يفسر حضوره المتميز والمتواصل في التعبيرات الثقافية عامة والإبداعات الفنية خاصة سواء كانت شعرا أو سردا، مكتوبة أو شفوية، عالمة أو شعبية.
فالجبل بمعالمه المخصوصة وعوالمه الغامضة وطبيعته الوعرة المتوحشة فتح آفاقا واسعة للمخيال الشعبي والمتخيل الإبداعي لإنتاج ثقافة متنوعة يمكن الاصطلاح عليها ب »الثقافة الجبلية » وإبداع ضرب مخصوص من الكاتبات الأدبية يمكن وسمها ب »الكتابة الجبليّة » أو « الكتابة الطبيعية » على حد تعبير كاترين لانون. فالجبل- كما تقول ماري مارتيني « يسكن كوننا المتخيل إلى درجة أنه ليس واقعيا تماما وليس خياليا تماما. فما بين الواقع والأسطورة كان الجبل حاضرا دوما في الثقافة والإبداع » (مقدمة « الجبل بين الصورة واللغة »). للجبل إذن حضور شامل في الثقافة والإبداع: فهو حاضر في الميثولوجيا اليونانية باعتباره مسكن الآلهة (جبل الألومب) ومجال الصراع بينها وبين الإنسان (أسطورة سيزيف)، ومذكور في النصوص الدينية باعتباره مجالا من مجالات المقدس وتجلياته (الطور- عرفات- حراء- ثور) ومظهرا من مظاهر الإعجاز الإلهي وآية من آيات قدرته (صورة الجبل منصوبا ووتدا أو صورته خَاشِعاً مُتَصَدِّعا مدكوكا) وكذلك علامة من علامات القدرة البشرية (نحت الجبال بيوتا). وإضافة إلى ارتباطه بالأسطوري والمقدس والمتعالي يلابس الجبل مختلف التجارب الإنسانية الدنيوية فهو من جهة قبلة المتسلقين والمغامرين والمسكتشفين ارتيادا لمناطق جديدة وبحثا عن معنى لوجودهم ونحتا للكيان وإثباتا لقدرات الذات اللامحدودة. وهو من جهة أخرى إطار للتجربة الروحية وتتويج لمسار المجاهدة الصوفية بالحلول والفناء في المطلق (محي الدين بن عربي) فضلا عن التمثيل الفلسفي الرمزي (أمثولة الكهف في فلسفة أفلاطون). ويبقى الإبداع الفني عامة والأدبي خاصة أبرز مجالات حضور الجبل وأكثرها تمثلا له وتمثيلا. فهو مصدر إلهام متواصل للشعراء والروائيين ومكون من مكونات الفلكلور الشعبي حاضر في الحكايات والأشعار والأغاني والأمثال بل حتى في الأناشيد الوطنية (الجزائر). غير أن الجبل مثلما ارتبط بدلالات إيجابية باعتباره رمزا للعلو والسمو والشموخ والإباء والحرية اكتسب في عصرنا دلالات سلبية حين أصبح ملاذا للإرهابين والمتطرفين ومسرحا للقتل والعنف (جبل الشعانبي بالقصرين).
ونظرا إلى انفتاح موضوع الجبل على مختلف الأشكال الثقافية والإبداعية رأينا أن نخص اهتمامنا بحضور موضوع الجبل في الإبداع الأدبي وتجلياته بمختلف أشكاله وأجناسه ونصوصه. فقد وجدنا موضوعة الجبل حاضرة في الأدب الغربي روايةً (« أسرار إيدولف » لغوتة- « ثلوج كليمينجارو » لهمنجواي) وشعرًا (« أغاني الجبل » لإدوارد) كما وجدناها حاضرة في الشعر العربي القديم (قصيدة ابن خفاجة في وصف الجبل) وفي الشعر الرومنطيقي (قصيدة « نشيد الجبار » للشابي) وفي الشعر المعاصر (« الجبل الأخضر » و »الجبال » لسيف الرحبي) وفي الرواية الحديثة والمعاصرة (« الجازية والدراويش » لعبد الحميد بن هدوقة – « جبل موسى » لعبد الرحيم بهير- « جبل قاف » لعبد الإله بن عرفة) وحتى في السيرة الذاتية (رحلة جبلية رحلة صعبة لفدوى طوقان).
ورغم وجود بعض الدراسات النقدية والندوات العلمية المخصصة لموضوع الجبل مثل ندوة « الجبل بين الصورة واللغة » فرنسا، 2008) إلا أن هذا الموضوع مازال في نظرنا غير مطروق بالشكل الكافي وفي حاجة إلى مزيد البحث وتعميق النظر. ومع أن في هذه المعطيات والمقدمات ما يسوغ لنا تخصيص هذه الدورة من مهرجان ينابيع الإبداع لموضوع الجبل في الإبداع الأدبي، غير أن ما شجعنا أكثر على اختيار هذا الموضوع خصوصية جهة الشمال الغربي عامة ومدينة الكاف خاصة- وهي المدينة التي تحتضن المهرجان وتتكفل بتنظيم الندوة- إذ لا يخفى على أحد أنها مدينة جبلية بامتياز وأن ثقافتها وتراثها متشبعان بهذه الطبيعة الجبلية.
سيكون موضوع هذه الدورة من مهرجان الإبداع الذي ينظمه المركب الثقافي الصحبي المصراتي بالكاف يومي 29 و30 أفريل 2018 كما يلي: الجبل في الإبداع الأدبي: صوره ودلالاته.
وستتوزع المداخلات على المحاور التالية:
1- موضوعة الجبل في الثقافة والإبداع: مقاربات نظرية عامة.
2- موضوعة الجبل في الإبداع السردي.
3- موضوعة الجبل في الإبداع الشعري.
4- موضوعة الجبل في الإبداع الشعبي.
Article similaire