يمكن أن نتناول الجامعة المواطنيّة بحثيّا بخلفيّة مغايرة لما يتطلّبه البحث في منظومة التّعليم العالي، باعتبار أنّ المنظومة الجامعيّة تشتغل وفق مقتضيات الدّور المعرفي والعلمي للجامعة لكي تجيب على أسئلة المجتمع وتستجيب لحاجياته من البناء المعرفي والصّناعة العلميّة، في حين أنّ منظومة التّعليم العالي تشتغل وفق مقتضيات السّياسة التّعليميّة للدّولة. والسّياسة التّعليميّة غالبا ما تحوّل الجامعة إلى جهاز تنفيذي يكتفي بنقل المعارف في إطار المسؤوليّة التّقنيّة والإداريّة لمؤسّسات الدّولة. وباعتبار أنّ الجامعة تنشط في إطار ديناميكيّة المعرفة والبحث العلمي، فإنّنا في واقع الحال إزاء واجب التّذكير بأنّ الجامعة من أهمّ محرّكات تطوّر المجتمع، ولم يكن ثمّة سبب أصلي لوجودها بصفتها جامعة إلاّ لأجل هذا الدّور الذي ينبغي أن تقوم به في سياق واجبها المواطني ومسؤوليّتها المجتمعيّة. فلا شكّ أنّ الجامعات المتقدّمة تأسّست استجابة لما يفرضه تطوّر المجتمع من المعارف والصّنائع لتكون الجامعة هي الورشة الخلفيّة المنتجة للعلم والمعرفة والتي تضمن ما يقتضيه تطوّر الحياة بالنّسبة إلى المجتمع وذلك من خلال المساهمة الفعّالة في صياغة وصيانة وتطوير المنطق الدّاخلي للنّظام الاجتماعي والقوانين التي تسيّره وتحافظ على ديناميكيّته. وهذا ما يحيلنا على التّساؤل حول مدى « مواطنيّة الجامعة التّونسيّة » من خلال الدّور الذي تضطلع به ما نسمّيه اليوم بالجماعة العلميّة ورسالتها تجاه الجامعة والمجتمع معا.
لعلّ رسالة الجماعة العلميّة محكومة بتوافق المنطق الدّاخلي للنّظام المعرفي المعبّر عن قوّة الرّابطة المجتمعيّة بين مكوّنات جسمها العلمي الذي يمكن أن نسميه بالميثاق الجامعي، وهي الرّابطة المبنيّة على أساس الألفة والتّأليف والتّوليف (الألفة بين عناصرها والتّأليف بين معارفها والتّوليف بين مبادئها) كأساس أخلاقي للفضيلة التي تجمع بين الجامعيّين والثّقة المتبادلة بينهم. لذلك لابدّ من توضيح أنّ وحدة الجامعة المبنيّة على وحدة المعرفة واندماجها الاجتماعي المعتمدين بدورهما على تداخل التّخصّصات وتعاضد مكوّنات الجماعة العلميّة لا معنى له إن لم يكن لفائدة المجتمع وإن لم يثبت أنّ الجامعة أداة فاعلة في التّنمية الشّاملة والعادلة والمستدامة من خلال دورها العرفاني، وهذا ما يؤكّد مسؤوليّتها في بناء قيم المواطنة بأبعادها المتعدّدة.
بالنّظر إلى هذه العناصر التي يمكن أن نختبر عليها واقع الجامعة التّونسيّة فإنّه من الممكن أن نتناول ذلك من باب المسؤوليّة المواطنيّة لكلّ مكوّنات الجماعة الأكاديميّة من أجل الارتقاء بالمسؤوليّة المجتمعيّة للجامعة إلى مستوى مسؤوليّتها المواطنيّة، لكي ننتقل بمعنى المسؤوليّة من تحديد مدى قدرة الجامعة على معالجة فضائها الدّاخلي حسب مقتضيات فضائها الخارجي وحاجيّاته، ومدى تجاوب هذه المنظومة مع محيطها العام وتحديد مدى قدرتها على بناء ثقافة المواطنة وتكريسها. على أن يكون اختبار سمات الجامعة المواطنيّة في سياق محيطها الدّاخلي وكذلك في سياق المحيط العام الذي توجد في إطاره مع بقيّة المنظومات المواطنيّة الأخرى.
يتأكّد ذلك حينما ندرك أنّ المتطلّبات المتصاعدة الموجّهة للعلم والمعرفة من طرف الفاعلين الاجتماعيّين لا تمثّل فقط تحدّيا بالنّسبة إلى الجماعة العلميّة ولكن أيضا بالنّسبة إلى المواطنين المطالبين بالإجابة عن الهواجس السّياسيّة والاقتصاديّة والتنمويّة لمجتمعهم، وهي هواجس لم يعد بالإمكان الإجابة عنها بمعزل عمّا يمكن أن تقدّمه المؤسّسات المنتجة للعلم والمعرفة، وهنا تتأصّل المسؤوليّة المواطنيّة للجامعة. في المقابل فإنّ الاستحقاقات المجتمعيّة للباحثين والأكاديميّين تعبّر عنها المؤسّسات المكلّفة بوضع السّياسات العلميّة، ومن خلال ذلك تلعب هذه المؤسّسات دور الوساطة أيضا بين الجامعة والمجتمع بالنّظر إلى كونها تحدّد ما يحتاجه منها علميّا ومعرفيّا من ناحية أولى، ولكن أيضا توفّر آليّات التّواصل بينهما من ناحية ثانية لتضمن توطين الجامعة في بيئتها المجتمعيّة وبذلك تتحوّل العلاقة إلى حالة تلازم بنيوي وترابط وظيفي تلغي بمقتضاها الحدود المؤسّساتيّة الفاصلة بينهما، وهنا تتأصّل المسؤوليّة المجتمعيّة للجامعة.
هناك بعض السّمات المميّزة للجامعة التّونسيّة تجعل كلّ هذه المعطيات في حاجة إلى مزيد من الاختبار والإثبات، ومن أبرز هذه السّمات أنّ الجامعة عموما هي الأكثر حضورا في الفضاء العام وفي الواقع الاجتماعي مقارنة بمختلف الهيئات والمنظومات الأخرى التي تشتغل في علاقة بالمجتمع والدّولة، وذلك لأنّ الجامعة هي معبر كلّ الفعاليّات والمنظومات وأصلها. ولكنّ الحالة الفارقة تتمثّل في كون الجامعيّين هم الأقلّ تأثيرا في المجتمع وهم الأقلّ التزاما بالقضايا العامّة – بشكل خاص خلال المرحلة الانتقاليّة التي بدأت منذ سنة 2011 دون اعتبار استقالتهم اللاّفتة من الشّأن العام قبل ذلك – مقارنة بفئات مهنيّة أخرى أقلّ عددا وعدّة، وهذا ما يطرح إشكاليّة عزلة الجامعيّين التي تضع مواطنيّة الجامعة محلّ اختبار هي الأخرى. لذلك فإنّ تشخيص واقع الجامعة يتمّ تأصيله أوّلا في إطار فضائها الدّاخلي الذي تحتضنه ويفصلها عن بقيّة الفضاءات القطاعيّة الأخرى، ويتمّ تأصيله ثانيا في علاقة بالفضاء الخارجي الذي يحتضنها. وهو ما يحيلنا على ضرورة الوقوف على عناصر القوّة والضّعف في علاقة بمحيطها الدّاخلي، وعناصر الفرص والتّهديدات في علاقة بمحيطها الخارجي.
أمّا إذا ما نظرنا إلى المنظومة الجامعيّة من زاوية حَـوْكميّة بما تقتضيه من اعتماد مبادئ مثل التّشاركيّة والشّفافيّة والتّقييم والمراقبة والمسؤوليّة والمساءلة وسيادة القانون والنّفاذ إلى المعلومة بشكل خاصّ في كلّ ما يتعلّق بالعلاقة بين مكونات المنظومة الجامعيّة من تسيير وتدبير وإدارة العلاقات بين أعضاء الجماعة الأكاديميّة واستقلاليّة الجامعة والمسارات النّزاعيّة داخلها (…) فيمكن أن نعتبر كلّ انحرافات الجامعة التّونسيّة عن مسار الاستجابة لدورها المواطني يندرج ضمن منظومة الفساد التي تعتبر أبرز علامات تونس الرّاهنة. وتلك مفارقة أخرى تزيد الأمور صعوبة وتعقيدا وتكفي وحدها لتكون مبرّرا لتقديم مشروع بحثي وندوة علميّة حول « الجامعة المواطنيّة ». هذه النّدوة التي نقترح أن يكون بناؤها المضموني حسب المحاور التالية:
1- الجامعة والجامعيّون في الفضاء العام
2- الجماعة الأكاديميّة وإشكاليّة التّكامل بين مكوّنات المنظومة الجامعيّة
3- الجامعيّون بين فاعليّة الدّور الأكاديمي والمسؤوليّة المواطنيّة للجامعة
4- النّوع الاجتماعي والمسارات النّزاعيّة داخل المنظومة الجامعيّة
5- الجامعة وديناميكيّة التّشكيلات الاجتماعيّة
6- الجامعة والثّورة
7- الجامعة والجامعيّون بين حدود المعرفة التّقنيّة وإمكانيّات الابداع الانساني
8- الحوكمة الجامعيّة وإشكاليّة الفساد الأكاديمي

Article similaire